مرحلة التقاعد… عبارة لم أفهم معناها حتى الآن!

مجلة الأحساء تحاور ابن “الأحساء” معالي وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السابق الدكتور محمد بن عبداللطيف آل ملحم:

مرحلة التقاعد…
عبارة لم أفهم معناها حتى الآن!

يعتبر معالي الدكتور محمد بن عبداللطيف بن محمد آل ملحم وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السابق أحد أبناء الأحساء الذينبرزوا في الحياة السياسية السعودية، وأصبح من كبار مسؤوليها خلال حقبة تاريخية طويلة تجاوزت العقدين من الزمان، وهوكذلك خلاصة رجل خبير في العلوم الإدارية والسياسية والاقتصاد والتاريخ والأدب.

| حوار |  خالد القحطاني  –  رئيس التحرير

عرفته التجارب منذ نعومة أظفاره، فتفوَّق دراسيًا، ودرس بكلية الحقوق جامعة القاهرة وحصل من «الجمهورية العربية المتحدة» على منحة دراسية لتفوقه العلمي، ومن ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراة بدرجة الشرف من أعرق جامعة أمريكية في القانون هي جامعة ييل Yale الأمريكية. وخدم الوطن الغالي في مناصب عدة منها: عضو هيئة التدريس بكلية التجارة بجامعة الملك سعود (جامعة الرياض سابقًا)، وترقى حتى أصبح عميدًا للكلية، ومن ثم وزيرًا للدولة وعضوًا بمجلس الوزراء على مدى إحدى وعشرين عامًا. ولا يزال يحظى بتقدير القيادة السياسية حفظها الله لما يمتلكه من علم وحكمة وروية وخبرة في شتى الميادين.

معالي الوزير الدكتور محمد بن عبد اللطيف آل ملحم، ماذا تقول عن خلاصة حياتك … ذلك الكتاب الذي قمت بتأليفه «أيام فيحياتي»، وحياتك في الواقع؟
أقول، بشكل موجز، إن أيام حياتي، والحمد لله، كانت دائمًا ذات سعادة وبهجة، غير أنني عانيت من فقدان أمي، وكذا فيما بعد فقدان أبي بعدما تقدمت بي السنون، وفيما بين هذه الأيام وتلك أيامٌ أعتز بها، وهي أيام قضيتها مع زملاء في مراحل مختلفة من حياتي يستوي في ذلك مرحلة الطفولة أو مرحلة الشباب أو بعد ما تقدمت بي السنون. هؤلاء الزملاء فريقان: الفريق الأول «لِدَاتي» أي من عاصرتهم منذ الولادة وحتى اليوم، والفريق الثاني «رفاقي» وهو من عشت معهم في مسيرة حياتي ممن لم تكن ولادتهم في بلدة «هجر». واليوم وبعد كل تلك الأعوام والتجارب في الحياة أرى نفسي طالب علم، وكل يوم يمر عليَّ أجد أنه يثري فكري، ويوفر لي القناعة بأنني لم أحصل من العلم والخبرة إلا على القليل.

معالي الوزير جئتَ إلى الوزارة بهدوء أي بدون وهج إعلامي، وغادرتها كذلك بهدوء رغم أنك أمضيت فيها واحدًا وعشرين عامًا،قصدت الأمر هذا؟ أم جاء صدفة؟
لم أقصده …. ولم يأت صدفة ….
كنَّا في عام 1390هــــــ الموافق عام 1970م قِلة من حملة الدكتورة لا نتجاوز «الثمانية» في كلية التجارة، في (جامعة الرياض) جامعة الملك سعود حاليًا، وهي الكلية التي كانت تُعنى بالعلوم الاقتصادية والإدارية والمحاسبية والقانونية والسياسية. كنَّا في ذلك «العهد الرومانسي» بمثابة عملات نادرة متخصصين في مجالات غير مألوفة في المملكة. ومن كلية التجارة أخْتير ثلاثة، وواحد من كلية الزراعة، وآخر من كلية الطب، وآخر من كلية العلوم ليدخلوا الوزارة. وسميت وزارتنا «بوزارة الدكاترة».
أما عن مجيئِي للوزارة ومغادرتي لها دون وهج إعلامي فبودي أخي «خالد» أن أكون صريحًا معك: في الواقع لم يكن الوضع عاديًا بالنسبة لي في السنوات الأولى من تشكيل الوزارةـ. كانت رغبتي أن أكون في مركز الضوء حتى ولو في أبسط الأمور مما أزاوله من عمل، والسبب واضح وهو أن «القرينً بالمقارن يقتدي». كان البعض من رفاقي في الجامعة ممن دخلوا الوزارة معي مِلء السمع والبصر بمجرد تسلمهم لوزاراتهم، ولم تتحقق هذه الرغبة بطبيعة الحال لي لأن العمل الذي كنت أزاوله لم يسمح بذلك، كنت أمارس عملي في صمت. والحقيقة أن عملي الوزاري لم يكن ذات طبيعة تنفيذية لجهة مَّا، أو لمنطقة مَّا، أو لجمهور مَّا. كان عملي وأنا وزير طيلة السنوات الإحدى والعشرين سنة الماضية مثل «الجندي المجهول»، وأنتَ تعرف بالتأكيد معنى ودلالة مصطلح «الجندي المجهول» عند الأمم والشعوب. والإعلام يا أخي «خالد» له إيجابياته وسلبياته.

بالتأكيد، ثم ماذا؟
مع مرور الزمن أدركت أن للإعلام، إلى جانب إيجابياته، بريقًا وأضواء ووهجًا، فله سلبياته. لذا تعلمت خلال العقدين من الزمن أنني كنت على خطأ فيما كنت أرغبهُ وأتوقُ إليه في السنوات الأولى من تشكيل الوزارة، وأن الوضع العادي بعيدًا عن الشهرة والأضواء أو التصريحات كان أفضل بالنسبة لي، وبالفعل قد كان … ولعلَّ هذا من توفيق الله.

لمعاليكم ذكريات عميقة وكبيرة حول سنوات دراستكم في «مدرسة الهفوف الإبتدائية الأميرية»، وهو ما ترجمها اهتمامكموعنايتكم بها… وماذا تقولون؟

تأسست «مدرسة الهفوف الإبتدائية الأميرية» بمدينة الهفوف في عام 1350هــــ وذلك قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس «المملكة العربية السعودية» بسنة في عام 1351هــــ، هذه المدرسة وُئِدَتْ بعد تأسيسها في مهدها بفعل بعض أهالي الأحساء الذين لم يحبذوا التعليم الحديث آنذاك، ولكن أُعِيدَ تأسيس المدرسة في عام 1355هــــ ومن ثم تّمَّ تدشينها في عام 1360هـــــ، وفي 14 جمادى الأولى عام 1366هــــــ التحقت بالمدرسة ورقم قيدي في سجلاتها هو «803»، وبعدها بشهور أي في العاشر من شهر شوال/1366هــ التحق بالمدرسة الزميل الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ورقم قيد سموه هو «817».
وقد تخرج في المدرسة رجال رواد كان لهم الفضل في نشر التعليم في شرق المملكة وكافة المناطق الأخرى بها خلال عقود من الزمن، لذلك أرى فيها المدرسة «الأم» بالنسبة لي فهي موطن ذكريات، ومسارح أفكار، ومصدر إشعاع، ومنتدى سمَّار، وبالفعل رأيت أن أفعل شيئًا مَّا لمدرستي حيث شرعتُ محاولاً تخليد ذكرى هذه المدرسة بعد تغيير الوزارة في عام 1416هــــ. ولقد تم ذلك في كتاب ضخم موثق سميته «كانت أشبه بالجامعة». وبفضل من الله وتوفيقه، (وبدعم من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رئيس الهيئة العامــــة للسياحــــة والتراث الوطني الذي قــــــــرأ كتابي) أصبحت المدرسة اليوم «أحد المعالم التراثية والتاريخية» في المملكة، ومن بين أهم المرافق التي تُزار الآن، وهي مفتوحة لكل زائر للمحافظة.

ما أبرز ما شاركت فيه من شؤون عامة أثناء فترة عملك الوزاري؟
أفتخر، من بين أمور أخرى، أنني شرفت بعضوية «اللجنة العليا لوضع النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المقاطعات»، وهي اللجنة التي دام عملها اثني عشر عامًا، وكان لي شرف المشاركة في وضع «البنية الدستورية» لكل من نظام الحكم الأساسي ونظام مجلس الشورى، وهما النظامان اللَّذان بالإضافة إلى «نظام المقاطعات» قد خضعوا لتأمل وبحث ودراسة من قبل صفوة من رجال فكر ورأي حتى تم تتويج هذه الأنظمة بأوامر ملكية وضعتها موضع التنفيذ. كما كان لي شرف رئاسة اللجنة المشكلة من دول المجلس التعاون الخليجي، وهي اللجنة التي وضعتْ «نظام مجلس التعاون الخليجي»، وهو نظامٌ انسجم مع حقائق أوضاع دوله الأعضاء فيه، ولذا استمر المجلس متماسكًا في هياكله النظامية رغم ما طرأ عليها من تطوير إلى الآن، وسيبقى كذلك، إن شاء الله، على حاله النظامي متماسكًا حتى بالنسبة للمستقبل.

لا شك أنك خلال سنوات الوزارة قد زاملت وتعاملت مع وزراء عدة من غير الأمراء، من هم الوزراء الذين استفدت من خبراتهم؟وهل في إمكانك وضع قائمة بأسماء البعض منهم؟
أكن لكل إخواني الوزراء الذين زاملتهم طيلة العقود الماضية كل تقدير واحترام، ولو قررتُ وضع «قائمة» بأسماء بعضهم فسيكون معالي الأخ السياسي المخضرم محمد بن إبراهيم مسعود على رأس هذه القائمة، فهذا الرجل سياسي محنك ذو نظرة ثاقبة، وحكيم مجرب استفدت كثيرًا من آرائه من خلال أحاديث جرت بيننا طيلة واحدٍ وعشرين عامًا، رحمه الله.

معالي الوزير: من الوزير الثاني في القائمة؟
الإجابة عن هذا السؤال من رابع المستحيلات عندي.

أيهما كنت تفضل دائمًا لقب أستاذ الجامعة أو الوزير؟
أفضل لقب «أستاذ» الجامعة، ولكن لقب «وزير» سيظل يلاحقني. والظروف التي كنتُ فيها في عام 1395هـــــ عند دخولي الوزارة تختلف عن الظروف التي أنا فيها الآن. وهذا لا يعني أنني لم أكن مرتاحًا حينما عينتُ وزيرًا. على العكس كان لي خلال الإحدى والعشرين سنة الماضية شرف الخدمة العامة، والتعرف على مداخل السياسة ومخارجها، وهي مداخلٌ من المستحيل العلم بها لو كنتُ خارجَ الوزارة. أمَّا الآن فأنا أحاول اللحاق بما فاتني من ركب «كأستاذ جامعة». صدر لي كتاب بعنوان «كانت أشبه بالجامعة» في عام 1419هــــــ، وصدر لي كتاب بعنوان «هزار الأحساء وبلبلها الغريد» في عام 1420هـ، وصدر لي كتاب بعنوان «قانون الثروة الناضبة» في عام 1421هـــــ، وصدر كتاب  باللغة الإنجليزية بعنوان:
Middle East Oil  في طبعتين: طبعة بالتجليد الفاخر وطبعة أخرى بدونه في 1421هـ، وصدر لي كتاب بعنوان» أيام في حياتي» في عام 1433هـــــ ……. وآخر إصداراتي كتاب بعنوان: ابن مقرب …. سقوط دولة وصعود شاعر» في هذا العام ….. عام 1438هـــــ
وكما ترى … أخي …. «خالد»  كم في التقاعد من متعة.

معالي الوزير: هل «المحاماة» مربحة لمن هو صادق/أمين أي لا يقبل أية قضية إلاَّ بعد إيمانه بعدالتها؟
نعم المحاماة مربحة. والمحامي الصادق هو الذي يعتبر نفسه قاضيًا مع نفسه أي مع ضميره وذلك قبل أن يكون مرتبطًا للدفاع عـن موكله. والمحامي باعتباره «حالف قسم» يجب أن يكون أمينًا مع موكله. ومن مقتضيات هذه الأمانة أن يتأمل بتجرد قضية «موكله»، ومن ثم يصدر الحكم لصالح موكله أو ضده وذلك قبل أن يرفع قضيته للجهة المختصة أو أن يكون عضوًا محكمًا فيها. والقيد الوحيد على «موكله» هو أن يكون أمينًا كذلك مع «وكيله»، ومن مقتضيات هذه الأمانة أن لا يخفي عن «وكيله» أية واقعة مهما كانت في نظره تافهة تمشيًا مع «مقولة» فيلسوف يوناني حكيم [واليونانيون رجال فلسفة وأدب] «أنبئني بالوقائع أخبركَ بحكم القانون».

معالي الوزير: مع تطور وتعقد وتنوع العلاقات والمعاملات التجارية اليوم في كافة مجالات الأعمال، برز التفاوض كأداة هامة فيتسوية المشاكل، وحل الخلافات، وإقامة التوازن بين المصالح المختلفة … كيف ترى الأمر؟

التفاوض نوع من الحوار وتبادل الأفكار والاقتراحات بين طرفين أو أكثر بهدف التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى حسم نزاع أو خلاف بما يحافظ على المصالح المشتركة بين الطرفين. إذًا فالتفاوض عملية تفاعل وتعاون وهو كذلك موهبة، وإذا ما توفرت لهذه الموهبة قدر من العلم والصبر وكذا فهم لمداخل ومخارج لغة التفاوض فالمفاوض حكيم، والتفاوض يكون سريًا إذ كان الشأن المتفاوض من أجله يمس آخرين، ويكون علنيًا إذا كان التفاوض حول شأن تنحصر أبعاده على طرفي التفاوض على نحو شامل ومطلق.
والمفاوض الناجح هو من يتقن فن الاستماع والإنصات للطرف الآخر، وأن يكون قويًا واضحًا أكثر منه داهية فلا يأخذ دور «الواعظ» الذي يُلقي الخطب والمواعظ التي لا تجد نفعًا في التفاوض في مختلف أنواعه.

معالي الدكتور: وأنتم في ضيافة (مجلة غرفة الأحساء) ماذا ترغبون أن تقولوه للغرفة وأنتم فيما سبق عميدًا لكلية التجارة؟

بودي أن أنوه، بادئ ذي بدء، بأن «غرفة تجارة الأحساء» والتي أتمنى لو سُمِّيَت «بيت التجار» كانت ولا تزال واجهة حضارية في بلدة «هجر». وباعتباري شاهد عصر من المهم أن أثبت «حقيقة» أن غرفة تجارة الأحساء أو «بيت التجار» قد سدَّت فراغًا ليس فقط في نشر ثقافة التجارة والمال مما هو من اختصاصها أصلاً، وإنما أيضًا في نشر ثقافة تراث الأحساء كذلك. لقد احتضن مدرج غرفة التجارة مناسبات ذات طابع ثقافي وتاريخي وأدبي في وقت كان «الأحساء» فيه في حاجة إلى «ناد أدبي». وتم تطوير الغرفة بجهود أبناء للأحساء، هم من أصدقائي. وفي مقدمتهم رجال أعمال منهم: «ناصر بن حمد ابن زرعة»، و»عبدالعزيز العفالق»، و»سليمان بن عبدالرحمن الحماد. وآمل أن يواصل ربان سفينتها الحالي المهندس: صالح بن حسن العفالق مسيرة من سبقوه.
والغرفة، من وجهة نظري، هي «بيت التجار». و»الغرفة» الآن كسائر الغرف الأخرى المنتشرة هنا وهناك في شتى أنحاء المملكة تزخر بأهداف وبطموحات متماثلة وذات بريق ووهج ولغة وردية ربما تعجز (بحكم مواردها المتاحة) أية «غرفة»، بما فيها «غرفة تجارة الأحساء» عن تحقيقها، وما أراه لكي تحقق الغرفة جميع أهدافها وطموحاتها أن تقيم جسرًا من التواصل بينها وبين منسوبيها، وهم «شعبها»، كأولية أولى، وأن تكون الغرفة «حاضنة» لمهام أربع لهذا «الشَّعب»:
(1)    أن تكون ناديًا تستقطب فيه كافة رجال الأعمال من تجار وصناع يتحدثون فيه عن طموحاتهم وتجاربهم في المجال التجاري والصناعي،
(2)   أن تكون بمثابة محكمة يعرض فيها هؤلاء التجار والصناع مشاكلهم، وما تعرضوا له من صعاب في ممارستهم لأعمالهم التجارية والصناعية من أجل حلها دون اللجوء «للتقاضي» أو «التحكيم»،
(3)(3)   أن تكون «معهدًا» يتلقى رجالها فيه ما استجد من تقنيات جديدة في المجال المالي والتجاري والصناعي، وبهذا المعهد مكتبة ضخمة تزخر وتضم أمهات الكتب الحديثة ذات الطابع المالي والتجاري والصناعي، ولتكون مرجعًا ليس لمنسوبي الغرفة فقط، بل ولطالبى المعرفة في المجالات التجارية والمالية من منسوبي كليات التجارة، والعلوم الإدارية، والحقوق، والأفراد.
(4)(4)    وأن تكون منتدى لرجال الأعمال: تجارًا وصناعًا للسمر، والترويح، والترفيه، ناهيك عن تبادل المعلومات والخبرات، وتوثيق الصلات في مجالات التجارة والمال.

معالي الدكتور: ذكرت في كتابك: «كانت أشبه بالجامعة» النص التالي مشفوعًا بقصيدة. وأنقل النص كاملاً:
«في كتاب «واحة الأحساء» تحدَّث السيد «إف. إس. فيدال» في عام 1952م عن الحرف، والصناعات، والمهن في «الأحساء»، وهو حديثٌ جدير بالقراءة، ويعكسُ تمامًا وضع «مجتمع» الأحساء من حيث عنايته بالحرف والمهن وغيرها. ومن الصناعات والمهن والحرف التي عرض لها السيد «فيدال» ـــــــ باستفاضة ـــــــ:
صناعة الدِّلاَل (جمع دلة القهوة)،
صناعة النَّسيج،
صناعة الفخَّار،
الصناعة الجلدية،
صناعة الأخشاب،
صناعة المجوهرات،
وصناعة الأدوات الخاصة بالنخيل وبتصنيع مشتقات تمورها ونتاجها.
وعن صناعات الأحساء ــــــ آنذاك ــــــ يقول شاعر الأحساء «محمد بن عبدالله بن حمد آل ملحم» في ملحمة «الدر المكنون في شتى الفنون» (المكونة من عشرة آلاف بيت) أفكارًا ذات قيمة في أبيات تناول فيها ألوانًا معينة من هذه الصناعات. وسوف أنقل أدناه هذه الأبيات. وأهم هذه الأبيات بيتها الأخير الذي يعتبر بيت القصيد. يتناول هذا البيت المنطلق الأساس لموطن الصناعة ألا وهي الصناعة الوطنية، ومن هُمْ عُدَّتهَا؟، وما هي مقوماتها؟، وكيف تكون تاج المجد وفخاره؟ هذا البيت الفريد عبارة عن قصيدة كاملة بما احتوى عليه من مضامين ومفاهيم ذات طابع حيوي. ومنطق  هذا البيت:
وَمَعْنَى  الْحَضَاَرَةِ يَكْمُـنِ  فِـي
نَتَاجِ الْمُوَاطِنِ لَــوْ  تَفْهَمُـونْ!

أما القصيدة عن بعض ألوان من الصناعات في «مقاطعة الأحساء» فهي كالتالي:

بِلاَحْسَا» مَصَانِــــــعُ مُنْذُ الْقَدِيم
تَنَاثَرْنَ فِي سَهْلِهَا وَالْحُـــــــــــــــــــزُونْ
تَفَنَّــــــــــــــنَ فِيهِــــــــــنَّ صُنَّاعُــــــــــــهَا
وَأَبْـــــــــــــدَوْا بِهِنَّ جَمَـــــــــــــالَ الْفُنُونْ
جَمِيعُ الأَوَانـــــِي بِهَا عُرِضَــــــــــــتْ
عَلَى مَا يُنَاسِبُ دَخْلَ الزُّبُــــــــونْ
وَأُخْرَى نَسِيجٌ وَمِـــــــــنْ حِــــــرَفٍ
وَمِنْ كُلِّ صِنْفٍ هُمُ يَصْنَعُـــــــونْ
إِذَا سِرْتُمُــــــــــــوا قُـــــــــــرْبَ آلآتِهِـمْ
تصِيرُونَ كَالطُّرْشِ لاَ تَسْمَعُونْ!
فَهَــــــــذَا يَــــــــــــــــدُقُّ بِسِنْــــدَالِـــــــــةٍ
وَهَـــذَا يَرُبُّ لِتِلْكَ الصُّحُــــــــونْ!
وَهَـــــــــــذاَ يَفِـــــــــــــحُّ بِمْنِفَاخِـــــــــــــــــهِ
وَهَــــــــذَا يُحَـــــــــــــــــــــرِّكُ لِلْمَنْجَنُونْ!
كِفَايَاتُهُمْ تِلْكَ قَــــــــــــدْ حَصَّلُوا
بِجُهْدِهــــــــــــــــمُ حِينَمَا يَعْمَلُــــــــــــونْ
فَلَيْسُوا لِغَيْرِهُــــــــــــــــــــمُ أَبَـــــــــــــــــدَا
يَمــدُّونَ كَفَّا فَهُـــــــمْ مُكْتَفُـــــــــــــونْ
وَجُـــــــلُّ مَرَافِـــــــــــقِ عَيْشِ الْبِلاَدِ
بِأَزْمَــــــــــانِهِــــمْ هُــــــمْ لَهَا يُنْتِجُــــــــونْ
وَمَعْنَى الْحَضَــــاَرَةِ يَكْمُــنِ فِـــــــــي
نَتَاجِ الْمُوَاطِــنِ لَــوْ  تَفْهَمُـــــــونْ!

معالي الدكتور: يا تُرى لمن يوجه هذا النص؟

أخي خالد: المعنى في قلب الشاعر. ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك. يوجه هذا النص، بداهة، لفئة الصناع ممن أسماؤهم مسجلة في «غرفة تجارة الأحساء، أعني «بيت التجار». هم الأولى أن يوجه لهم النص، ويعملوا بمقتضاه ليجددوا تراث الآباء والأجداد في «الصناعة» التي تميزت بها بلدة «هجر» عبر العصور، وبشرط أن يوفر لهؤلاء الصناع، بجانب الحماية، الدعم التام الشامل ممن يهمهم الأمر في وزارة التجارة والاستثمار.

معالي الدكتور: هل هناك علاقة بين كلية التجارة التي كنتَ عميدها وغرف التجارة المنتشرة هنا وهناك في بلادنا؟
نعم العلاقة قوية، وفي عهدي كانت كليتي «كلية التجارة» التي كنتُ عميدها على علاقة بغرف تجارة محدودة العدد. وكم كنتُ أتمنى أن يبقى اسم الكلية على حاله. تغيَّر اسم «كلية التجارة» في أيامنا المعاصرة للأسف إلى كليتين: كلية للعلوم الإدارية»، وكلية «للحقوق والعلوم السياسية».
وفي كلية التجارة ونظائرها تخرج ويتخرج طلاب شغلوا ويشغلون أهم الوظائف في الغرف التي أشرتَ يا «خالد» إليها.
وحينما كنْت عميدًا للكلية في عام 1393هــــــــ، كنتُ أُدَرِّسُ موادًا في الكلية منها مادة «القانون التجاري». وكانت تلك المادة (وحتى في أيامنا المعاصرة) تُعنى من حيث الأشخاص برجال الأعمال بفئتيْها: تجارًا وصناعًا. كما كانت مادة «القانون التجاري» تُعنى بتكوين الشركات وبالذات «شركات المساهمة العامة» وإن كان هذا النوع من الشركات في عهدي محدودا جدًا ومنها: شركات الكهرباء وشركتين أو ثلاث من شركات الأسمنت وغيرها، وكان النمط السائد آنذاك تكوين «الشركات العائلية» التي تتخذ من شركة «المسؤولية المحدودة» نمطًا لها. ويهمني باعتباري كنتُ مدرسًا لقانون الشركات وعلى رأسها «شركات المساهمة العامة» أن أنوه عن «نقطة مهمة» في مجال «شركات المساهمة العامة»، ولعل هناك من يخالفني الرأي فيما سأقوله في أيامنا المعاصرة ممن «انشغلوا» أو «فُتنوا» أو افتتنوا بما يعرف بمنصتي «تداول الأسهم»، و»سوق الأسهم». ومع احترامي لأي رأي معارض فمن وجهة نظري يعتبر «السهم» من حيث عائده في «شركات المساهمة العامة» هو المؤشر الأساس لنجاح أو فشل أية شركة. والسوق لمن يعرف ثقافتها سوقٌ في خصوص «الاستثمار في الأسهم» لا ترحم.
وفي ضوء ما مر بالأسهم من كوارث سابقة، وبالرغم مما حُميتْ به الأسهم من تقنيات حديثة متطورة، فعلى المستثمر الحصيف في الأسهم أن يُجْري، ومع توقي الحذر، جدوى اقتصادية لاستثماره بما فيها دراسة ما تنشره الشركة المستهدفة عن ميزانيتها وحساب أرباحها وخسائرها، مع تركيز اهتمامه على النقطة المهمة التي أشرتُ إليها سلفًا ،وهي التحقق من أداء الشركة وربحية سهمها، أي: التحقق من عائد سهمها المالي حاليًا وفي المستقبل المنظور، مع عدم الالتفات إلى طروحات المضاربين المغرية وشتى الشائعات التي يطلقونها بين الحين والآخر. والسهم في المحصلة النهائية هو نبض القلب لحياة أو موت أي شركةـ، بل وهو الْحَكَمُ (أي المؤشر) على مدى نجاح الشركة أو فشلها.

دكتور: وهل تنصح في الاستثمار في الشركات المدعومة أسهمها بربح سنوي ثابت من خزينة الدولة؟
أخي خالد. هذا سؤال غريب. مثل هذه الأسهم يجب استبعاد تداولها من سوق الأسهم للأسباب التي سبق أن ذكرتها فيما يتعلق بالربط بين أداء الشركة وعائد سهمها المالي.

دكتور: أسعار الأراضي حديث الناس هذه الأيام، هل لمعاليك من تعليق؟
أخي خالد: دع الناس يتحدثون. ودع الناس يتسلُّون. هم أحرار في التصرف فيما يملكون. ومع مرور الوقت يتعلم ملّاك الأراضي.
أسعار «الأمس» غير أسعار «اليوم»،
وأسعار «اليوم» لن تكون كأسعار «الغد».
أنا لست «تاجر أراضي»، ولا «رجل أعمال». ولكن إليك القصة التالية: صديق لي صاحب مكتب عقاري في «الأحساء» طلبتُ منه أن يبحث لي عن قطعة أرض لا تتجاوز ثلاثمائة (300) متر لغرض مَّا. وقلتُ له: يقال أن أسعار الأراضي هذه الأيام في نزول. قال: هذا صحيح وأنا في السوق وأعرفه، وأردفَ قائلاً: عندي قطع أراض للبيع، ولكن ملّاكها متمسكون بأسعار الأمس، ولن يبيعوا إلا بأسعار الأمس. قلتُ له. دعهم في أحلامهم. وختمتُ حديثي مع صديقي مُرَدِّدًا البيت التالي:
ومُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نارِ
والحكيم من يتعايش مع أحوال يومه فيتصرف بمقتضاها.

معالي الدكتور: كثر الحديث في أوساط المجتمع بين المختصين ورجال الأعمال حول المادة (77) من نظام العمل التالي نصه:
«ما لم يَتَضَمَّن العقد تعويضاً مُحدَّدَاً مُقابِل إنهائه من أحد الطرفين لسببٍ غير مشروع، يستحق الطرف المُتَضَرِّر من إنهاء العقدتعويضَاً على النحو التالي:
(1)   أجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة من سنوات خدمة العَامِل، إذا كان العقد غير محدد المدة.
(2)   أجر المدة الباقية من العقد إذا كان العقد محدد المدة.
(3)   يجب ألاّ يقل التعويض المشار إليه في الفقرتين (1) و(2) من هذه المادة عن أجر العَامِل لمدة شهرين».

الحديث في نص هذه المادة «يا خالد» يطول شرحه، وليس هنا محله. ولكن إليك رأيي باختصار.
هذه المادة من حيث الصياغة القانونية «مُحْكَمَةُ»، ومن حيث المحتوى القانوني «عَادِلةٌ» إذا نُظِرَ إليها مجردةً من الزمان والمكان أي من البيئة المراد تطبيقها فيها. بل ولا غبار عليها شكلاً ومحتوىً إذا كان الغرض منها تعليم الطلاب في كليات الحقوق كيفية الصياغة القانونية لضبط محتوىً معين.  أما إذا أُريد منها كمادة أن تطبق في بلد معين من حيث الزمان والمكان فالوضع مختلف تمامًا.
هذه المادة صالحةٌ للتطبيق في البلد الذي لا توجد فيه عمالة وافدة ماهرة على الإطلاق. وبمقتضى مفهوم المخالفة، هي مادة غير صالحة للتطبيق في البلد الذي يكتظ بعمالة وافدة لا سيما إذا كانت العمالة ماهرة.
تطبيق هذه المادة في هذا البلد المكتظ بالعمالة المشار إليها عملٌ «مأساوِيٌّ كارثي» في خصوص توطين الوظائف.
رحم الله أستاذي الدكتور «جمال زكي» من أساطين «قانون العمل» في كلية حقوق ــــــ جامعة القاهرة الذي كان ينادي بتوطين نص المادة بالبيئة المراد تطبيقه فيها إذا أريد منها أن تكون ذات فعالية.

.معالي الوزير: في مجال عقود التجارة والمعاملات التجارية ذات الطبيعة المتشعبة يحتار رجل الأعمال أو التاجر أو يتردد فياختيار أي القضاءين: «قضاء الدولة»  أو «قضاء التحكيم» لحل أية منازعة تنشأ في العقد الذي وقع أو سيوقع عليه. ما رأيك في مثلهذه المسألة الشائكة؟
من مستلزمات أي عقد سواء أكان «مدنيًا» أو تجاريًا» أن يُدرج فيه نص يتعلق بالتقاضي: قضاءً أو تحكيمًا. وفي أي عقد يبقى القضاء والتحكيم أهم أداتين أو وسيلتين يتم اللجوء إليهما لفض المنازعات ذات الطبيعة العقدية. و»القضاء» تعبير عن ظاهرة من ظواهر ثلاث: «لنظرية سيادة الدولة»، وهي النظرية التي تعنِي، بصفة شاملة، الحفاظ على كرامة الدولة الإقليمية واستقلالها السياسي. والظواهر الثلاث لنظرية السيادة المكونة للدولة الحديثة هي: «السلطة التنفيذية» و»السلطة التشريعية» و»السلطة القضائية». والدولة هي صاحبة الكلمة العليا في شأنها الداخلي. ومعنى ما أقصده أن كل من يلجأ لقضاء الدولة كأداة لفض المنازعات هو خاضع لمحاكم هذا القضاء بمختلف درجاته، وكذا لكافة إجراءاته. أما «التحكيم» باعتباره قضاء خاصًا، وبديلاً عن قضاء الدولة، فهو قضاءٌ محايد حينما يستكمل أبنيته، ويباشر ممارسة مهام أعماله على استقلال، وهو من حيث «الهوية القانونية» تعبير عن «نظرية سلطان الإرادة الحرة» لأطراف الخصومة مع التحفظ على هذه النظرية، وبما معناه أن لهذه الإرادة الحرة الكلمة العليا فيما يتعلق بالتحكيم ورموزه وإجراءاته مع التحفظ ذي الطبيعة الاستثنائية لقواعد منبثقة عن إعمال «نظرية السيادة» يلزم الأخذ بها إذا كان مقر التحكيم داخل إقليم الدولة.
وهكذا «مبنى القضاء» يختلف عن «مبنى التحكيم»، وصاحب الشأن سواء أكان شخصًا طبيعيًا أو شخصًا معنويًا، خاصًا، أو عامًا له الخيار في اللجوء إلى أي من القضاءين أي أن يختار اختصاص هذا أو ذاك مع ملاحظة أن هذا الخيار ليس خيارًا حرًا مطلقا إذ فيما يتعلق بالتحكيم فالخيارُ مقيد بنطاق معين محصور، من حيث النطاق على المسائل التي يجوز فيها التحكيم والصلح، وبمقتضى مفهوم المخالفة لا يجوز التحكيم في المسائل ذات الطابع الشخصي أو تلك المتعلقة بحقوق الله سبحانه وتعالى، أو تلك المتعلقة بنظام الدولة العام. ولهذا يُقال في «علم القانون» أن الفرد في مجال التقاضي في وضع متساوٍ مع وضع الدولة ذات السيادة والسلطان. فكما أن الدولة ملزمة بتوفير «القضاء» كمسرح لمواطنيها تقدم لهم فيه أدوات أو وسائل لحل منازعاتهم حيث إن ذلك أحد مظاهر سلطتها، ناهيك عن أن من مسؤولياتها الكبرى توفير محاكم يدير دفتها قضاة مؤهلون وفقًا لقواعد وإجراءات ثابتة تحدد اختصاصاتها بغرض الوصول إلى هدف كلي وهو تحقيق العملية القانونية الخالصة في إقرار العدل وحمايته للكل على حد سواء. والمواطن وفقًا لهذا المنطلق باعتباره «إنسان» فهو على قدم المساواة مع الدولة إذ له إرادته الحرة الخالصة بحيث بإمكانه أن يُنشئ قضاءً خاصًا له كبديل عن قضاء الدولة وذلك للنظر في المسائل التي تخصه إذا رغب في ذلك والتي تم تحديدها سلفًا. وهذا قضاء ذو نوعين: «قضاء غير مؤسسي» لحل منازعات بين الأطراف في حالات خاصة ينتهي فيها هذا القضاء حال حسم تلك الحالات، أو «قضاء مؤسسي» ذو طابع دائم منتظم، وهو قضاءٌ بإمكانه استقبال منازعات أصحاب الشأن وفقًا لإجراءات نمطية مستقرة وثابتة. هذا مع العلم، أن هذا القضاء المؤسسي يقوم على نمط معين في أبنيته وإجراءاته، أشكال مختلفة تحت مُسمى مراكز وطنية، ومراكز إقليمية، ومراكز دولية، ولدرجة أن هذا القضاء المؤسسي ظاهرة منتشرة في الكثير من الدول ذات السيادة والسلطان. وفي خصوص التفرقة بين القضاءين هناك «مقولة قانونية» تدخل في إطار «حقوق المواطن الدستورية» مؤداها أن لجوء المواطن إلى «التحكيم» هو إهدار لحقوقه الدستورية التي وفَّرتها له الدولة من خلال إقامة أجهزة عدل تقر فيها الحقوق وفق موازين عدل سليمة تنعدم فيها قوى الهوى الجامح أو قوى الطيش البين. ولهذا فالتساؤل التي تثيره هذه المقولة هو: لماذا يلجأ المواطن إلى قضاء آخر داخل موطنه كقضاء  بديل لقضاء موطنه ما لم يكن هذا القضاء فاسدًا؟ وهناك «مقولة قانونية» أخرى ضد المقولة السابقة، وعلى النقيض منها، مؤداها أن إذن الدولة لمواطنيها بمقتضى قوانينها باللجوء للتحكيم مؤداه اعتراف الدولة بتقصيرها في توفير العدل وإقامته لهؤلاء المواطنين. وفيما بين المقولتين هناك «مقولة قانونية ثالثة» مؤداها أن حق المواطن لم ولن يُهدر دستوريًا من قِبَلِهِ إذ يظل حقه في اللجوء للقضاء باقيًا، بل وثابتًا حتى ولو لجأ للتحكيم، وأن ترخيص الدولة ليس مبعثه تقصيرًا منها في إقامة العدل، وإنما هو احترام منها لحق المواطن في الخيار بين أي من القضاءين باعتباره من حقوقه الأساسية «كإنسان».

معالي الدكتور: عرَّفتَ رجالَ الأعمال بأنهم تجار وصناع، لماذا يقع البعض من هؤلاء في إشكالات حين ممارستهم لأعمالهم التجارية تنتهي بهم إلى ساحات «المحاكم» أو مقار هيئات التحكيم لفض تلك الإشكالات. ما هو تعليق معاليكم؟ سؤال حيوي ومهم … وكلُّ من مارس ويمارس المحاماة أمام «قاض» أو أمام «محكّم» يجد أن ما سألت عنه يمثل ظاهرة لا تزال تستعصي على الحل. بعض التجار، ناهيك عن الصناع، في ممارستهم لأعمالهم التجارية يبخلون بدفع القليل، وبعد وقوعهم في «الفخ» يدفعون الكثير!

ماذا تقصد؟
تاجر أو صانع يبرم عقد مقاولة، أو صناعة، أو تجارة بالجملة أو بالتجزئة، أو عقد نقل بضائع، أو عقد توريد سلع وخدمات، أو عقد توزيع، أو عقد تشييد مصنع، أو عقد وكالة تجارية، ربما في «تَسَتر» وقبل أن يستشير المختص في شأن هذا العقد أو ذاك من الناحية القانونية أو الفنية أو المالية، وبعد التوقيع على هذا العقد أو ذاك يُصْدَمُ حالاً بمعوقات وإشكالات ومنازعات في العقد الذي أبرمه بنفسه وعن رضًا وطواعية. وبدلاً من مباشرة أعماله في سهولة ويسر يجد نفسه في دوامة بين «المحاكم» يتردد، أو من خلال «هيئات التحكيم» يجادل. أمَّا ما يدفعه من مصاريف ونفقات بعد التوقيع على العقد فحدث عنها ولا حرج. شواهد الحال كثيرة في ساحات المحاكم، وفي مقار هيئات التحكيم. ويصدق على مثل هذا «التاجر» أو «الصانع»: مقولة ذات مغزى مؤداها: «إذا وقعت يا فصيح لا تصيح». وأنصح «التاجر» أو «الصانع» أن يستشير .. أن يستشير. أن يستشير…. حتى لا يرى نفسه «في خراب مالطة»….
وفي عالم الغرب مقولة: أن كل «تاجر» أو «صانع» خلفه رديف مستتر!!!

ما أبرز خمسة كتب أثرت في تكوينك الفكري؟
الكتب كثيرة التي أثرت في تكويني الفكري، ولكن ربما أهمها: تفسير القرآن الكريم لأبن كثير، كتاب: كليلة ودمنة لابن المقفع، كتاب: العواصم من القواصم لابن العربي، مبادئ القانون للدكتور عبدالفتاح عبدالباقي، وكتاب النظام الدولي العام للكرامة الانسانية للأستاذ الدكتور مايرس سمث مكدوقال. أستاذ القانون بكلية حقوق جامعة ييل Yale  الأمريكية.

معالي الدكتور: يتخوف الكثيرون من مرحلة التقاعد، ما رأي معاليك فيه؟
عبارة لم أفهم معناها. الإنسان ينتقل من موقع إلى آخر. ومن المعروف أن موضوع ترك الوظيفة العامة أو الإحالة على التقاعد أو التقاعد نفسه من الموضوعات التي كَثُرَ الحديث عنها، بل لا يزال الحديث عنها موضوع الساعة. والانفكاك من الوظيفة العامة أي التقاعد إمَّا أن يكون اختياريًا أو قانونيًا أو قسرًا. تعدد أسباب التقاعد في المحصلة النهائية واحد. والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا يفعل الموظف بعد التقاعد؟ هناك من يتقاعد، ويجد نفسه في مسرةٍ، وآخر يجد نفسه في كآبة تنتهي به إلى عزلة أو مرض. وسأقتصر هنا على ذكر ثلاثة أراء في «التقاعد» واحدة «لأديبٍ»، والثانية «لِي»، والثالثة لشيخي المربي الفاضل «عثمان الصالح».
سألتُ الأستاذ الأديب الشاعر «حسن بن عبدالرحمن الحليبي» بعد أن تقاعد عن التدريس في «المعهد العلمي بالأحساء» عن رأيه في «التقاعد» فكانت وجهة نظره كما أملاها عليَّ بالهاتف كما يلي:
– عِزٌ بعد ذل،
–  وصِحةٌ بعد سقم،
– وراحةٌ بعد تعب،
– وحياةٌ بعد موت.
وهذا رأي جميل، ومثير للتَّساؤل، ولعلَّ صاحبه على حق، وهي على أي حال وجهة نظر تحظى بتقدير واحترام.
أمَّا عن وجهة نظري بخصوص التقاعد فلقد سبق أن عَبَّرْتُ عنها في أكثر من مناسبة مؤداها بأن «التقاعد عبارة لم أفهم معناها. وإذا تقاعد الموظف العام فهو في حقيقة الأمر ينتقل من موقع إلى موقع آخر. وربما يكون في الموقع الجديد أكثر إنتاجية وعطاءً  من الموقع السابق. ولقد سبق أن ذكرت ما قمتُ به بعد تغيير الوزارة. أما أستاذنا «عثمان الصالح، فله وجهة نظر عن التقاعد. تحدَّث عنها من خلال برنامج عمل لمن يتقاعد. ووجهة نظره وبرنامج العمل الذي حدَّده جديران بالاهتمام. يقول «أبوناصر»: اعتقاد الكثير أن التقاعد وأد وموت، وهذا خطأ محض، بل إن التقاعد بعثٌ ونشرٌ لعدة اعتبارات:
أولاً ـــــ إن المتقاعد قضى شبابه في العمل والإخلاص، وصُهِرَ بلا شك في أداء واجبه وفي معلوماته التي كرَّرها ورسخها في ذهنه وغرسها في الأفكار ..
ثانيًا ـ إن عصر الشباب والفتوة زالتا عنه .. وأقبل على شيخوخة فيها ما فيها من الفوائد ..
ثالثًا ـ لو كلف نفسه وشق عليها ومن ثم تجاوز في مواصلة العمل أكثر وأكثر من السنوات فوق الستين تمامًا لَكَلَّ جهده .. وشاخ فكره .. وتضاءل ذهنه .. واستنفذ طاقته وذكاءه وما استطاع الاستمرار، وَلَبَدَا على العمل نقص، وظهر فيه شرخ بل ضعف ..
رابعًا ـ ما دامت هذه التجارب والسنوات الزاهرة التي فيها كفاح الشباب وفتوته .. والرجولة وحيويتها، والتي انقضت في عمل ودأب خَدَمَ بها الدولة والبلاد والمرفق .. أفلا يشعر بأنه يستطيع أن يجعل من بقية العمر مزرعة للآخرة يعود فيها إلى ربِّه مستقرًا ذهنه في عبادةٍ هادئةٍ .. وحياةٍ هانئةٍ .. يَستذكرُ فيها حسنات العمل وعلاقته مع الناس وصلاته بهم ليسجل فيما يعود عليه بالفائدة كتابًا إن كان قارئًا، أو لقاءً بالآخرين لاستغلال الفراغ واستعمال ما هضمه من عمله .. وما اكتسبه من خبرته في أن يكون له ما يلي:
أ ـ أن يتصل بمن له بهم صلة، وأن يجتمع بهم، ويقضي معهم أوقاتًا يلتقون فيها، ويتبادلون في هذه الاجتماعات مع الأصدقاء القدامى وذوي الكفاءات اجترار الماضي والذكريات، أ ـ أن يتصل بمن له بهم صلة، وأن يجتمع بهم، ويقضي معهم أوقاتًا يلتقون فيها، ويتبادلون في هذه الاجتماعات مع الأصدقاء القدامى وذوي الكفاءات اجترار الماضي والذكريات،
ب ـ وإذا كان ذا معرفة وإدراك ووعي في علم أن يدوِّن معلوماته، وما بناه في عمله ومجتمعه، ليكون ذلك كتابًا يفيد الناس، ويهتدي به غيره، ويؤدي واجبًا عليه،
ج ـ أن يجعل من المطالعة زادًا من المعرفة التي يتجه إليها في هدوء مع تأدية ما لله من حق في هذه الصحة والعافية التي منحها الله له .. فقد يكون إثراؤه للمجتمع أكثر مما عمله يوم أن كان شابًا.

كنت عميدا لكلية التجارة وقبلك كان معالي الدكتور غازي القصيبي عميدًها.
هذا صحيح.

وَدَوَّنَ «غازي» تجربته الإدارية في كتاب سمَّاه «حياة في الإدارة»، وذكر معاليك بالاسم أكثر من مرة في كتابه، ولمعاليك رأي فيالكتاب مؤداه أنه غير موثق. فهل لا تزال عند رأيك؟
نعم. وأعلنتُ عن ذلك للملأ في حياته وهو يعلم عن ذلك -رحمه الله – إلا أنه لم يُوَثِّقْ ما رواه. وتوفاه الله، وظلَّ كتابه مجرد خيال شاعر والشعراء …. وهو مجرد «رواية» ….  ولا تَصْدُقُ عليها مقولة حذام ……
قرأتُ الكتاب، وتوقفتُ عند نصٍ لم أتمكن من فهمه، بل وتركني هذا النص في حيرة!!!

ما هو هذا النص؟
قال «غازي»: «أَصِلُ، الآن، إلى محطة ومهمة في حياتي الإدارية، ومهمة في ذاتها، ومهمة في تأثيرها على ما تلاها من محطات، وهي العمادة. هذه قصة شوقة، وهي قصة تستحق أن تروى بشيء من التفصيل. كان هذا العمل أصعب ما توليته في حياتي من أعمال أصعب من السكة الحديدية، وأصعب من وزارة الصناعة والكهرباء، وأصعب من وزارة الصحة، وأصعب من السفارة في البحرين، وأصعب من السفارة في لندن».

ما رأيك فيما قاله زميلك؟
وما رواه «معالي الدكتور غازي» ….. رحمه الله ….. هو بيت القصيد في كل كتابه المسمَّى «حياة في الإدارة». ذكر «غازي» في «روايته» أن قصة العمادة قصة شوقة، وهي قصة تستحق أن تُروى بشيء من التفصيل. أشار إلى هذه القصة المشوقة دون ذكر تفاصيلها. وهكذا تركك يا «خالد» في حيرة من أمرك، وترك قارئ كتابه كذلك!!!. ولو لم يذكر الدكتور «غازي» أن هناك قصة لم يروِ تفاصيلها لكان أفضل. لم يبق في هذه الحياة من أبطال هذه القصة إلا «القلة» وأنا واحد منهم . ولعلِّي أُوفَّق في يوم مَّا في مشروع كتابي «مشوار حياتي» في تفكيك طلاسم هذه القصة التي تركها الصديق «غازي» محتويةً على «عُقَدٍ» أكثر من «عقدة أوديب» كما يُقال….

سيرة ذاتية:
الاسم: معالي الدكتور محمد بن عبداللطيف آل ملحم
تاريخ ومكان الميلاد: من مواليد الهفوف 1938م
المهنة: وزير دولة وعضو مجلس وزراء سابق.

مؤهلاته العلمية:
ليسانس الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة، جمهورية مصر العربية,
ماجستير الحقوق من جامعة ييل Yale  الأمريكية.
دكتوراه في علم القانون من جامعة ييل  Yale  الأمريكية

مناصبه:
معيد بكلية التجارة جامعة الملك سعود
أستاذ مساعد بكلية التجارة قسم القانون، جامعة الملك سعود (جامعة الرياض سابقًا).
عميد كلية التجارة
رئيس اللجنة العليا للتظلمات الجمركية
وزير دولة وعضو مجلس وزراء سابق،
من أبرز أعماله التي تولاها إلى جانب عمله وزير دولة وعضو مجلس وزراء سابق.
مستشار خاص للأمير سلطان ابن عبدالعزيز آل سعود النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام
عضو اللجنة العليا للإصلاح الإداري.
رئيس الديوان العام للخدمة المدنية بالنيابة لعدة فترات، وعضو مجلس إدارتها.
عضو السيادة في اللجنة الوزارية المسؤولة عن مشتريات الحكومة.
عضو المجلس الأعلى لجامعة الملك فيصل في الأحساء.
عضو مجلس إدارة الخطوط الجوية العربية السعودية.
عضو مجلس إدارة الهيئة العربية للتصنيع في القاهرة.
كما تولى لعدة مرات مهام وزير التخطيط نيابة عن معالي الأستاذ «هشام محي الدين ناظر» بعد تعيينه وزيرًا في وزارة البترول والثروة المعدنية
وللدكتور «آل ملحم» كتب وبحوث ومقالات ومقابلات صحفية في العديد من المجلات والصحف ومن هذه الكتب: «كانت أشبه بالجامعة»، كتاب «هزار الأحساء وبلبلها الغريدـ، كتاب «أيام في حياتي»، كتاب «قانون الثروة الناضبة»، كتاب «ابن مقرب: سقوط دولة وصعود شاعر، وكتاب باللغة الإنجليزية بمسمى:  Middle East Oil

————————————–

– حوار خالد القحطاني – رئيس التحرير
الناشر: مجلة الغرفة التجارية – الأحساء

تاريخ النشر: 22/03/2017 م

رابط المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.